الشيخ محمد رشيد رضا
530
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من العلم بالمنافع والمضار والمصالح والمفاسد في الاجتماع البشري في معاملاته وآدابه حتى زعم كثير من الباحثين والمفكرين منهم أنه يمكن الاستغناء بالعلم عن الدين في تربية الاحداث باقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل ومضار الرذائل كأضدادها ، وان هذا أهدى وأقوى اقناعا من التبشير بثواب الآخرة والانذار بعذابها . ولكنا نرى رؤساء أو وزراء أرقى الأمم في هذه العلوم يقترفون أفحش الرذائل بالتأويل لها ، وتسميتها بغير أسمائها ، وبالخفاء والحيل ، وما زالوا يراءون الناس في ذلك حتى فضحتهم وفضحت شعوبهم الحرب الأخيرة فثبت بها أنهم شر البشر واعرقهم في الرذائل العامة كالافساد في الأرض بالظلم والطمع ، والمباراة في وسائل افساد الشعوب صحة وأخلاقا واستذلالا ، لأجل الاستلذاذ باستعبادها ، والاستئثار بثمرات أعمالها . على أنهم يمنون عليها بذلك زعما منهم أنهم يجذبونها به إلى حضارتهم الملعونة المبنية على الاسراف في الشهوات ، واستحلال الفواحش والمنكرات ، وجعل ذلك من الحرية الشخصية التي يبالغون في مدحها ، وعد هذا الاطلاق سببا للكمال فيها هذا وان منهم من يدعي الجمع بين علوم الحقوق والآداب والفضائل وسنن الاجتماع ، وبين دين المبالغة في الزهد والعفة والتواضع والايثار ، وهي الملة المسيحية التي يفتخرون بوصف أممهم بها ، وهم أبعد من جميع خلق اللّه عنها - فالتحقيق الذي ثبت بالدلائل العقلية والنقلية والتجارب الدقيقة أن ملكات الفضائل لا تنطبع في الأنفس إلا بالتربية الدينية كما بيناه في مواضع أخرى ، ولذلك تقل السرقة والخيانة في البلاد التي يغلب على أهلها التدين الصحيح كبلاد نجد وأكثر بلاد اليمن على قلة وسائل المحافظة على الأموال فيهما ، وتكثر في غيرها على كثرة تلك الوسائل ومن عجيب أمر حكومتنا المصرية أنها تقلد الإفرنج في نظام التعليم وفي اطلاق الحرية الشخصية ، وتغفل عما يجب من التربية الدينية ، حتى إن أداء الصلاة في مدارسها اختياري لا يطالب به التلاميذ والطلاب ولا ينكر عليهم تركه . وقد فشت في البلاد الجرائم من قتل وسلب وافساد زرع وفسق وفجور وقد اتخذت عدة وسائل لتقليل هذه الجنايات بعد أن عقدت عدة لجان لدرسها ولكنها لم تأت أدنى عمل لمقاومتها بالتربية الدينية للنابتة ، وبث الوعظ والارشا في العامة ، وهو أب الوسائل لمنع الفساد في الأرض ، لان الوازع النفسي أقوى وأعم من الوازع الخارجي ، وان كان لا بد من الجمع بينهما ، كما قال اللّه تعالى * * * ( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً ) قلنا إنه عليه السّلام قد بدأ بدعوتهم إلى توحيد العبادة لأنه